حيدر حب الله

64

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

أما القول بأن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستدعي العلم بالخير والمعروف والمنكر ، والعلم بكيفية الدعوة وأصولها ، فيلزم على تبعيضة « من » أن تختصّ هذه الفريضة بالعلماء « 1 » . . فيمكن مناقشته بأن العلم بهذه الأشياء لا يجب بها جميعاً ؛ بل يكفي أن يعلم ولو ببعضها بتوجيهٍ ممّن يعرفها ، فلا ضرورة لفرض صنف علماء الدين هم المتولّون لذلك ، بل يمكن تصوّر تحقّقه من غيرهم بالعلم بمقدار بسيط يكون هو مورد الأمر والنهي ، لا سيما مع شمول المعروف والمنكر لما هو أوسع من الشرع ، مما يقتضيه العقل البشري والفطرة السليمة والوجدان المستقيم و . . وأما ما نسب إلى الضحاك « 2 » من أن المراد بالآية الأولى هنا هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، فهو - على أبعد تقدير - بيان لأحد المصاديق ؛ وإلا فلا دليل في الآيات على مثل هذا الحصر . وكذلك الحال في الاستشهاد بذيل الآية لأخذ شرط العدالة في الآمر الناهي ، إذ لو كان فاسقاً لما صحّ وصفه بالمفلح ، فلزم أن يكون عادلًا ؛ فإنّ الوصف المأخوذ في الذيل وصفٌ بلحاظ الصدر ، لا بلحاظ تمام الأشياء ، أي أن النظر منصرف عن سائر الأفعال التي يقوم بها الآمر الناهي ، وهذا كثير في القرآن والسنّة وكلام العرب ، فأنت تقول : أفلح من صلّى على محمد وآله ، وأفلح من نطق بالشهادتين ، وأفلح من جاهد في سبيل الله و . . . فمثل هذه الأوصاف تذكر بملاحظة الفعل الذي جاءت في سياقه لا بملاحظة استبطان سائر الأفعال معه أو بملاحظة الاستبطان التقديري لا التحقيقي . وليس من الضروري الجواب هنا بالتغليب ،

--> ( 1 ) راجع هذا القول في : التفسير الكبير 8 : 178 ؛ وتفسير البحر المحيط 3 : 23 ؛ وتفسير الثعالبي 2 : 87 - 88 . ( 2 ) انظر : التفسير الكبير 8 : 178 ؛ وتفسير ابن كثير 1 : 398 ؛ والسيوطي ، الدر المنثور 2 : 62 .